الشيخ محمد رشيد رضا

337

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

موسى آخذا بقائمة من قوائم العرش قال « فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى اللّه عز وجل » وظاهره أن ذلك غشيان يقع بعد البعث في موقفه ، ويحتمل أن يعم صعق النفخة الأولى الاحياء والأموات الا من استثني والا كان مشكلا يحتاج إلى الجمع بينه وبين ما يعارضه مما علمت بعضه وليس هذا المقام بالذي يتسع لتحقيق هذه المسألة وقد استشكل المفسرون ولا سيما علماء الكلام منهم هذا الانظار بالنسبة إلى ما يترتب عليه من الشر والاغواء وسيأتي بيان حكمته بعد انتهاء تفسير هذه الآيات * * * قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ الاغواء الايقاع في الغواية وهي ضد الرشاد لأنها في أصل اللغة بمعنى الفساد المردي من قولهم غوى الفصيل - كهوى ورمى ، وغوي كهوي ورضي - إذا فسد جوفه من كثرة اللبن فهزل وكاد يهلك ، وصراط اللّه المستقيم هو الطريق الذي يصل سالكه إلى السعادة التي أعدها سبحانه لمن تتزكى نفسه بهداية الدين الحق وتكميل الفطرة ، والفاء لترتيب مضمون الجملة التي تليها على مضمون ما قبلها ، والباء للسببية أو القسم والمعنى فبسبب إغوائك إياي من أجل آدم وذريته أقسم لأقعدن لهم على صراطك المستقيم أو فيه أو لألزمنه « 1 » فأصدهم عنه وأقطعه عليهم بان أزين لهم سلوك طرق أخرى أشرعها لهم من جميع جوانبه ليضلوا عنه ، وهو ما فسر بقوله * * * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ أي فلا أدع جهة من جهاتهم الأربع الا وأهاجمهم منها ، وهذه جهات معنوية كما أن الصراط الذي يريد اضلالهم عنه معنوي ، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى ( 6 : 153 ) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ) الآية ما يوضح ما هنا وفسر في الآثار بالاسلام وبطريقي الهجرة والجهاد لصده عنهما وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ لنعمك عليهم في عقولهم ومشاعرهم وجوارحهم ومعايشهم وما يهديهم إلى تكميل فطرتهم من تعاليم رسلك لهم ، أي لا يكون الشكر التام الممكن صفة لازمة لأكثرهم بل للأقلين منهم قيل إنه قال هذا عن ظن فأصاب لقوله تعالى ( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) وقيل عن علم بالدلائل لا بالغيب والدلائل النظرية غير القطعية ظنون وتقدم تعريف الشكر في تفسير آية ( وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ) وهي فاتحة هذا السياق

--> ( 1 ) أشرنا بهذه الأقوال إلى أن صراطك منصوب بنزع الخافض أو على الظرفية أو تضمين أقعدن معنى الزمن